هنوف بنت عبد الرحمن
28-01-2009, 04:53 PM
هل سنتحدث بعد اليوم عن غزة ؟! *
ثلاثة وعشرون يوما .. أجزم بأنها كانت من أصعب الأيام على كل أصحاب الضمائر ..
قتال دامٍ .. ومعركة غير متكافئة .. يخوضها جيش جرار همجي ضد شعب أعزل آثر العيش بحرية وكرامة ، واختار أن يرفع لواء الدين عاليا فوق أرضه ، وأن يبذل في سبيله كل قطرة من دمه ، وكل عزيز وغال ..
كانت جعجعة دبابات الصهيونية وأزيز طائراتها ، مصحوبة بجعجعة أخرى أكثر صخبا وإيلاما ، فمن تحميل المقاومة المسؤولية ، إلى مواقف الخيانة المكشوفة والطعن في الظهر ، وانتهاء بالمقالات والتصريحات التي اتخذت من الحدث فرصة لتفريق الصف ، وإطلاق التهم ، والتركيز على أخطاء المقاومة وتشـويه صورتها .
كان معظمنا متسمرا أمام التلفاز أو الانترنت أو الصحف ، يتابع الأخبار ويقرأ في التحليلات والمقالات والمواقف التي كانت تركز في غالبا على ما يجب أن يفعله الحكام ، وما يجب أن نجمعه من التبرعات والإغاثات ، وما المتوقع أن تخلف الحرب من الآثار ... إلخ ، كل ذلك كان مصحوبا بالصور الدامية والمشاهد المؤلمة ، والقصائد والخطب التي تنعى الأمة منزوعة الحياء التي تترك أبناءها فريسة لأوغاد اليهود !!!
لا أنكر أن صوتا من بين تلك الأصوات كان يتحدث عن بشائر النصر ، ويثبت القلوب ويربط على أفئدة المؤمنين ، لكن ذلك الصوت كان مصدره المقاومة غالبا ، وكان متقطعا بحكم ظروف الحرب وطبيعة الموقف .
انتهى الآن الهجوم النازي ، ولم تنته آثاره بالطبع لا على الأمة الصغيرة في غزة ، ولا على الأمة الكبيرة خارجها .
إن أولئك الملايين الذين كانوا يمضون الساعات الطويلة في متابعة الحدث ، يقفون الآن في حالة ذهول ، لا شيء بوسعهم أن يفعلوه بعد انتهاء الحرب ، فوسائل الإعلام التي كانت تمنح غزة وأخبارها كل المساحة ، عادت الآن لتهتم بشؤون العالم الآخر ، والمحاضرات والبرامج التي تركزت على غزة انصرفت إلى مواضيع أكثر إثارة وتشويقا .
عودوا إلى حياتكم أيها الناس ، فقد انتهت الحرب وعادت الأمور إلى نصابها ،، لا تقلقوا فسنعيد إعمار غزة ونصلح كل شيء ..
عودوا إلى حياتكم فهي عاصفة انتهت ..
عاد أبناء غزة للمدارس ، وعادت الوزارات للعمل ، واجتمع القادة وقدروا الخسائر وتكاليف الإعمار .
لقد قمتم بواجبكم وفعلتم ما يجب عليكم ، ولا يعقل أن تغرقوا في الأحزان فلا بد أن تعود الحياة إلى وتيرتها الطبيعية .
هكذا بكل بساطة ،، إذ لم تكن غزة وكل آلام غزة إلا سببا لنحيا فترة من الزمن ونتألم قليلا أو كثيرا بحسب رهافة حِسّنا واستيقاظ ضمائرنا ، نقيم بعض الحملات ونرفع شعارات التضامن ، ثم نعود إلى السبات المميت حتى توقظنا محنة أخرى .
وهكذا ككل محنة تمر بها الأمة ، تتجه كل المنابر - أقصد منابر الخير والإصلاح - إلى ما يجب أن نفعله الآن ، من الدعاء والتبرع والتعاطف والبكاء ، ثم ينتهي كل شيء بمجرد انتهاء المحنة ، مع أنها في الغالب لا تنتهي تماما لكن تنتهي ساعة ذروتها .
إن الحكيم العليم الذي قدر على الأمة هذه المحنة ، لم يقدرها لتعيشها الأمة ساعة من نهار ، ثم ترحل وقد خلفت إضافة إلى الدمار في الأرض نفوسا محطمة ، وأرواحا مهزوزة ، تشبعت بخطاب العجز الذي يبثه إعلامها ، لكنها فرص تستغلها الأمة لإعادة البناء وترتيب الصف ، لتدرك فيها الخلل الذي تعيشه فتتداركه ، وتعزز مواطن قوتها ، وتأخذ بأسبابها ، وتربي فيها جيلا صلبا متفائلا بنصر الإسلام ، مستعدا لحمل رايته والقيام بأمانته .
لقد فهمت غزة هذا الدرس جيدا لذلك قال أحد كبار السن الذين غادروا غزة منذ عشرين سنة : " إنه لا يصدق ما يراه من مواقف أهل غزة المنكوبين ، لا يوجد أم ثكلى ، أو أب فقد أولاده إلا ويحمد الله ويقول لنا الله وحسبنا الله والله معنا ، عكس ما كانوا عليه في نكباتهم التي أدركتها قبل عشرين عاما " .
وقال أحد الآباء في المستشفى وقد حمل معه ابنه المصاب : " إنهم سيمكثون ولن يغادروا غزة ، ولن يكرروا خطأ ارتكبوه في نكبة 48 " .
إن التخطيط للمدى البعيد ، والاستشراف للغد ولتغيير الغد ، هو ما يجب أن نعتني به قبل أعدائنا الذين مازلنا نقرأ أن كل إنجازاتهم بدءا من احتلال فلسطين وحتى حرب غزة الأخيرة ، هي عبارة عن خطط ذات مدى طويل أو قصير تحكمه ظروف المرحلة .
كل مصلح تضلع بدور أثناء الحرب ، لا بد أن يقوم بدور ما بعد الحرب فهو أخطر وأهم وأبعد مدى وتأثيرا .
كل فرد أيا كان موقعه ، يحمل جزاء من مسؤولية النصر الكبير ، فالأم في بيتها ، والأستاذ في كل حقل تعليمي ، أصحاب الأقلام والكتاب والمربون ، العلماء والقادة والمصلحون ، كل بحسب استطاعته ، وعلى قدر جهده .
ولا بد أن يكون البناء ذاتيا قبل أن يكون خارجيا ، يبني الإنسان نفسه في العلاقة أولا مع ربه ومع كتاب ربه ، يبني فيها السعي المستمر لتطوير شخصيته وعلميته وقدراته ، يصنع منها المجاهد الذي يمكنه أن يخوض الحروب بثبات وقوة ورباطة جأش .
نحتاج أن نعلم أجيالنا أن الأمة قد مرت بمحن أنكى من محنة غزة ، لكنها استطاعت تجاوزها حين تمسكت بالإيمان وتذرعت بالصبر ، واتحدت صفا واحدا ضد طغيان أعدائها .
نحتاج أن نربيهم على التفاؤل والتعلق بالله ، ألا يهنوا للخطوب ولا يحزنوا ، أن نغرس فيهم الاستعداد للتضحية والبذل في سبيل الله ، وأن الانتصارات الكبرى لا تأتي إلا إثر تضحيات
كبرى .
كل هذا وغيره فريضة كل محب لغزة .
ومن هذه الساعة وحتى تقوم الملحمة الكبرى التي تطهر فيها الأرض المقدسة من رجس كل يهودي ، جهود متواصلة ، وعمل دؤوب ، وتربية مستمرة ، يتحملها الأجيال جيلا بعد جيل حتى يأتي وعد الله " إن الله لا يخلف الميعاد " .
* هند بنت عبد الإله المشرف .
ثلاثة وعشرون يوما .. أجزم بأنها كانت من أصعب الأيام على كل أصحاب الضمائر ..
قتال دامٍ .. ومعركة غير متكافئة .. يخوضها جيش جرار همجي ضد شعب أعزل آثر العيش بحرية وكرامة ، واختار أن يرفع لواء الدين عاليا فوق أرضه ، وأن يبذل في سبيله كل قطرة من دمه ، وكل عزيز وغال ..
كانت جعجعة دبابات الصهيونية وأزيز طائراتها ، مصحوبة بجعجعة أخرى أكثر صخبا وإيلاما ، فمن تحميل المقاومة المسؤولية ، إلى مواقف الخيانة المكشوفة والطعن في الظهر ، وانتهاء بالمقالات والتصريحات التي اتخذت من الحدث فرصة لتفريق الصف ، وإطلاق التهم ، والتركيز على أخطاء المقاومة وتشـويه صورتها .
كان معظمنا متسمرا أمام التلفاز أو الانترنت أو الصحف ، يتابع الأخبار ويقرأ في التحليلات والمقالات والمواقف التي كانت تركز في غالبا على ما يجب أن يفعله الحكام ، وما يجب أن نجمعه من التبرعات والإغاثات ، وما المتوقع أن تخلف الحرب من الآثار ... إلخ ، كل ذلك كان مصحوبا بالصور الدامية والمشاهد المؤلمة ، والقصائد والخطب التي تنعى الأمة منزوعة الحياء التي تترك أبناءها فريسة لأوغاد اليهود !!!
لا أنكر أن صوتا من بين تلك الأصوات كان يتحدث عن بشائر النصر ، ويثبت القلوب ويربط على أفئدة المؤمنين ، لكن ذلك الصوت كان مصدره المقاومة غالبا ، وكان متقطعا بحكم ظروف الحرب وطبيعة الموقف .
انتهى الآن الهجوم النازي ، ولم تنته آثاره بالطبع لا على الأمة الصغيرة في غزة ، ولا على الأمة الكبيرة خارجها .
إن أولئك الملايين الذين كانوا يمضون الساعات الطويلة في متابعة الحدث ، يقفون الآن في حالة ذهول ، لا شيء بوسعهم أن يفعلوه بعد انتهاء الحرب ، فوسائل الإعلام التي كانت تمنح غزة وأخبارها كل المساحة ، عادت الآن لتهتم بشؤون العالم الآخر ، والمحاضرات والبرامج التي تركزت على غزة انصرفت إلى مواضيع أكثر إثارة وتشويقا .
عودوا إلى حياتكم أيها الناس ، فقد انتهت الحرب وعادت الأمور إلى نصابها ،، لا تقلقوا فسنعيد إعمار غزة ونصلح كل شيء ..
عودوا إلى حياتكم فهي عاصفة انتهت ..
عاد أبناء غزة للمدارس ، وعادت الوزارات للعمل ، واجتمع القادة وقدروا الخسائر وتكاليف الإعمار .
لقد قمتم بواجبكم وفعلتم ما يجب عليكم ، ولا يعقل أن تغرقوا في الأحزان فلا بد أن تعود الحياة إلى وتيرتها الطبيعية .
هكذا بكل بساطة ،، إذ لم تكن غزة وكل آلام غزة إلا سببا لنحيا فترة من الزمن ونتألم قليلا أو كثيرا بحسب رهافة حِسّنا واستيقاظ ضمائرنا ، نقيم بعض الحملات ونرفع شعارات التضامن ، ثم نعود إلى السبات المميت حتى توقظنا محنة أخرى .
وهكذا ككل محنة تمر بها الأمة ، تتجه كل المنابر - أقصد منابر الخير والإصلاح - إلى ما يجب أن نفعله الآن ، من الدعاء والتبرع والتعاطف والبكاء ، ثم ينتهي كل شيء بمجرد انتهاء المحنة ، مع أنها في الغالب لا تنتهي تماما لكن تنتهي ساعة ذروتها .
إن الحكيم العليم الذي قدر على الأمة هذه المحنة ، لم يقدرها لتعيشها الأمة ساعة من نهار ، ثم ترحل وقد خلفت إضافة إلى الدمار في الأرض نفوسا محطمة ، وأرواحا مهزوزة ، تشبعت بخطاب العجز الذي يبثه إعلامها ، لكنها فرص تستغلها الأمة لإعادة البناء وترتيب الصف ، لتدرك فيها الخلل الذي تعيشه فتتداركه ، وتعزز مواطن قوتها ، وتأخذ بأسبابها ، وتربي فيها جيلا صلبا متفائلا بنصر الإسلام ، مستعدا لحمل رايته والقيام بأمانته .
لقد فهمت غزة هذا الدرس جيدا لذلك قال أحد كبار السن الذين غادروا غزة منذ عشرين سنة : " إنه لا يصدق ما يراه من مواقف أهل غزة المنكوبين ، لا يوجد أم ثكلى ، أو أب فقد أولاده إلا ويحمد الله ويقول لنا الله وحسبنا الله والله معنا ، عكس ما كانوا عليه في نكباتهم التي أدركتها قبل عشرين عاما " .
وقال أحد الآباء في المستشفى وقد حمل معه ابنه المصاب : " إنهم سيمكثون ولن يغادروا غزة ، ولن يكرروا خطأ ارتكبوه في نكبة 48 " .
إن التخطيط للمدى البعيد ، والاستشراف للغد ولتغيير الغد ، هو ما يجب أن نعتني به قبل أعدائنا الذين مازلنا نقرأ أن كل إنجازاتهم بدءا من احتلال فلسطين وحتى حرب غزة الأخيرة ، هي عبارة عن خطط ذات مدى طويل أو قصير تحكمه ظروف المرحلة .
كل مصلح تضلع بدور أثناء الحرب ، لا بد أن يقوم بدور ما بعد الحرب فهو أخطر وأهم وأبعد مدى وتأثيرا .
كل فرد أيا كان موقعه ، يحمل جزاء من مسؤولية النصر الكبير ، فالأم في بيتها ، والأستاذ في كل حقل تعليمي ، أصحاب الأقلام والكتاب والمربون ، العلماء والقادة والمصلحون ، كل بحسب استطاعته ، وعلى قدر جهده .
ولا بد أن يكون البناء ذاتيا قبل أن يكون خارجيا ، يبني الإنسان نفسه في العلاقة أولا مع ربه ومع كتاب ربه ، يبني فيها السعي المستمر لتطوير شخصيته وعلميته وقدراته ، يصنع منها المجاهد الذي يمكنه أن يخوض الحروب بثبات وقوة ورباطة جأش .
نحتاج أن نعلم أجيالنا أن الأمة قد مرت بمحن أنكى من محنة غزة ، لكنها استطاعت تجاوزها حين تمسكت بالإيمان وتذرعت بالصبر ، واتحدت صفا واحدا ضد طغيان أعدائها .
نحتاج أن نربيهم على التفاؤل والتعلق بالله ، ألا يهنوا للخطوب ولا يحزنوا ، أن نغرس فيهم الاستعداد للتضحية والبذل في سبيل الله ، وأن الانتصارات الكبرى لا تأتي إلا إثر تضحيات
كبرى .
كل هذا وغيره فريضة كل محب لغزة .
ومن هذه الساعة وحتى تقوم الملحمة الكبرى التي تطهر فيها الأرض المقدسة من رجس كل يهودي ، جهود متواصلة ، وعمل دؤوب ، وتربية مستمرة ، يتحملها الأجيال جيلا بعد جيل حتى يأتي وعد الله " إن الله لا يخلف الميعاد " .
* هند بنت عبد الإله المشرف .